أبي حيان التوحيدي
189
المقابسات
ولا معاد ولا منقلب ، لما كان ذلك قادحا في آلهيته ، ولا متحيفا لطرف من أطراف حكمته ، ولا معاندا لما يليق بربوبيته ؛ فكيف وقد نصب العلامات ، وأحكم الشواهد والبينات ، وأقام البرهان والآيات ، على تحقيق المعاد وحصول السعادة والشقاء ، بحسب الصور الموجودة لواحد واحد ؟ ثم قال : لو سألنا العقلاء بأسرهم ، وسألنا أعقلهم فقلنا : ما تقول في بدنك إذا بطل بأسره ولم يبق منه شئ إلا العين التي من شأنها أن تبصر الأشياء ؟ فان جوابه لا يعدو أن يكون : إذا لم يكن بد من فناء جميع البدن بأجزائه فلأن تبقى العين وهي أشرف ما فيه ، أو السمع وهو في الشرف [ بمكان ] خير من أن لا يبقى شئ ويبيد كله ويضمحلّ جميعه ؟ قال : فيقال له : فكذلك النفس في بقائها بعد أن يصرّح عنها قشورها وتفارق مختارة لبوسها ؟ قال : وإنما ضربت هذا المثل ، وعرضت هذا التشبيه ، لأنه قال لي قائل : الإنسان لا يبقى فإذا لم يبق الانسان فأية فائدة فيما يبقى منه أوله أو آخره ؟ قال : وهذا لو ضرب المثل بمن له ولد ، أعنى لو قيل لا سبيل إلى بقائك بذاتك لأنك لا تحتمل ذلك بعنصرك ولكن يبقى بعدك ولدك الذي هو بضعة منك وفاضل عنك ، لآثر بقاء ولده من بعده إيثارا حسنا طيب النفس به ، فإنه يرى أن ولده منه أو هو هو ، لأنه يرى مصاصته وخلاصته وبصاصته وسلالته ، ولا يكاد يفصل بينه وبين نفسه إلا بالشخص ، والشخص فقط ثم قال موضحا لما اتصل بصدد كلامه : اعلم أن الانسان لا يبقى إنسانا لان الإنسان إنما هو إنسان بحده المنطقي فإذا صفا مما كان به كدرا ، وانبسط إلى ما كان عنه مركبا ، وانتهى عما كان به محدودا ، وارتقى مما كان به هابطا محطوطا ، وخلع الصورة الملابسة للحس ، والغشاء اللاصق به من ظاهره ، فإنه حينئذ يكون الباقي الذي كان مرة إنسانا ، لأن الانسان اسم للحد المعروف ، أعنى الحي الناطق المائت . فإذا ارتفع الحد ارتفع الاسم وحقت الحقيقة التي كانت النفس موجودة بها حاصلة . ألا ترى أن الانسان إذا قدم فكره في